الثلاثاء، 16 فبراير 2016

حين ينسينا الجدل حقيقة أن عزازيل مجرد رواية.

دائمًا ما تعتمد الجوائز الأدبية على الجدل في اختياراتها، في عام 2009 تسبب الكاتب المصري يوسف زيدان في نوبة هلعٍ وجدلٍ في مصر عندما فازت رواية عزازيل بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر). عن رواية تتخذ من مذكرات من القرن الخامس لطبيبٍ راهبٍ يدعى هيبا، الذي يكتشف ممارسات عدوانية، وثنية، لأحد الأسقف؛ تلك التفاصيل أدت إلى ذلك الجدل الرهيب، وأزعجت بشدة أعضاء الكنيسة القبطية في الإسكندرية، وصلت إلى أن بعض الأسقف حرر دعوة قضائية ضد يوسف زيدان مُتّهِمة إيّاه بالإساءة للعقيدة المسيحية وأنه يحاول هدم الدين المسيحي.

»والكلمة قد تفعل في الإنسان مالا تفعله الأدوية القوية،

فهي حياة خالدة لا تفنى بموت قائلها
«

- هيبا، عزازيل.

على الرغم من كل تلك المتاعب التي تسبّبت بها الرواية، هي بسبب تلك الإيماءات البحثيّة للمعارك الضروسة داخل الكنيسة الوليدة، وعلى الرغم مما تدعيه الكنيسة يبدو من أسلوب زيدان في الرواية والذي يدعو الى الانسجام والتفاهم في الفكر الديني. حيث أنّه يؤكد مرارًا وتكرارًا سخافة -وخطورة- الخلافات بين الطوائف الدينية.

كل تلك الوقائع والجدل يجعلك تنسى حقيقة أن عزازيل مجرد رواية لحسن الحظ، لإنسان في عالمه الخاص في غمرة الشك والإغراء، في رحلة يبحث فيها عن ذاته. ومع ذلك، تبدأ قصة هيبا المؤلمة ببطء ليبحر نهر النيل إلى الإسكندرية حيث يكتسب قوة تدفعه للأمام. هناك، يلتقي أوكتافيا ويستسلم للملذات المحرمة، حتى يشهد جريمة اغتيال عالمة الرياضيات هيباتيا من قبل أتباع سيريل بتهمة الوثنية.

يترك هيبا الإسكندرية، حزينًا، ويقضي ما تبقى من رواية يدور في أنحاء الأرض المقدسة، في حيرة من الحياة، والدين، والطب، والشيطان عزازيل، والنساء. أحيانًا أثناء قراءة الرواية يسودك ذلك الشعور الانجراف وعدم اليقين في القص تعكسه يقال لنا في أكثر من مناسبة واحدة أن أيامه كانت عبارة عن ملل. أو ليست تلك حياة الراهب؟! ربما.

ولكن في نهاية المطاف، سذاجة هيبا تتحول لقوة قوة: فهو غريب، يحولّه زيدان إلا بطل راوي، نموذج يستكشف به زيدان ذلك الوقت. الكتابة، أيضا، لها لمسة حسيّة صادقة، ومطابقة بدقة لشخصية الراهب في قلب الرواية. الجائزة، أو الجدل التي تلته الرواية، قد يكون السبب في أنّه باع أكثر من مليون نسخة في مصر. ولكن تلك الصورة الدائمة لهيبا، ذلك الرجل الذي يبحث باستمرارٍ عن معنى الحياة، هي التي ستعلق دومًا بذاكرتك.

»العالم الحقيقي إنما هو في داخلي، 
وليس في الوقائع التي تثور وتهدأ، وتنتهي لتبدأ أو يبدأ غيرها.«-هيبا، عزازيل.




أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 11 ديسمبر 2015

ساق البامبو مرآة تعكس المجتمع الكويتي.

ساق البامبو هي رواية سردية من نوعية (المهاجرين من الشرق إلى الغرب)، لكن في هذه الرواية الهجرة من الشرق إلى الشرق؛ شاب نصف فلبيني-كويتي ينتقل من فقر مجفل في الفلبين إلى جنة أبيه في الكويت. وخلال صفحات الكتاب ينتقل الراوي بنا بين العديد والعديد من الإنتكاسات المروعة التي تعكس بعمق المجتمع الكويتي وعلاقة دول الخليج بالعمال المهاجرين.

حازت الرواية على شهرة كبير بين الأوساط العربية، وفازت بجائزة البوكر العربية، على الرغم من سرعة تنقلها في الأحداث ولغتها النثرية الغير أدبية/شبابية البسيطة إلّا أن ذلك أتاح للعرب إعادة رؤية الكويت بعين مهاجر، يحمل مل كلا الاسمين (عيسى) و(خوسيه).

تدور أحداث الرواية في الكويت والفلبين، ولكنّها لم تخض في تفاصيل الفلبين كثيرًا. ما يهم أنها تكشف المعلن والمستور والمسكوت عنه في الكويت في نقد إجتماعي لـ(سعود سنعوسي) الروائي الشاب؛ حيث يناقش سياسة وحيثيات كون المرء نصف أرستقراطي خليجي، ونصف فليبي فقير بطريقة تعيد إلى الأذهان ويذكرنا بالروائي تشارلز ديكنز  ورواية (أوليفر تويست) عن شاب فقير بقلب طيب يبحث عن عائلته الحقيقة، لكن الجزء الأكثر إثارة للإهتمام أن في هذه الرواية تبدأ القصة بعد أن يصبح (خوسيه/عيسى) ثريًا، مما يجعله أكثر حزنًا وحسرة.

تبدأ ساق البامبو في الفلبين، قبل ولادة الراوي، بطريقة (قيل لي من أمي). وبالخوض في صفحات الكتاب تكشف لنا كلماته ومواقفه من رفضه للدعارة، والقمار والحشيش هويته المحافظة العربية. لكن مواقفه لم تكن بعظيمة ففي كل الوقت كان يلقي اللوم على الفقر.

بساطة الكلمات واللغة تعكس سذاجة الراوي عن الدين، والهوية، وكل شيء عن الكويت. وفي بعض الحالات يكون هذه جيدًا ومفيدًا خاصة للقراء الغربين فمثلاً عندما تقرأ كلمة ’’بدون‘‘ -أي بدون حقوق مواطنة- يتبعها الراي بتفسير. وفي بعض الأحيان تتعدى السذاجة كل الحدود، فعندما يرى (خوسيه/عيسى) الرشوة ويتعجّب من فساد الشرطة قائلًا: ’’إذا كان الشرطة تسرق، فماذا يفعل اللصوص؟‘‘، بالتأكيد صدمة إنتقال (عيسى/خوسيه) لأرض الأحلام حيث لا يجدها بالجنة التيتصورها، ويرى مجتمعًا طبقيًا يعج بالعتصرية، ويظهر ذلك بوضوح في طريقة الإستقبال المفجعة التي تلقاها الراوي من عائلته الكويتيّة. ومع ذلك، فإن تدني الوطنية الكويتية الذي في تحمله الرواية يمكن في بعض الأحيان أن يسبب نفورًا للقارئ. 

بعد سوء المعاملة التي تلقاها (عيسى/خوسيه)  من عائلته الكويتية والمتعصبين الآخرين الذي يدفعنا لتوقع أنّه سيأخذ انتقامه. لكنّه يحتفظ بسماحته طوال الوقت، حتى بعد طرده من بلده، يبدو من غير المعقول أن هذا الصبي المشرق عندما يلمّح قرب نهاية الرواية، أنّه "ربما" يشبه [الكويتيين] في نواح كثيرة".

ساق البامبو هي رواية مضادة للروايات التي تحكي عن "الهجرة لبلاد غنية والنجاح". في النهاية، (عيسى/خوسيه) يتحتم عليه أن يختار بين حياة صعبة بالقرب من عائلة ثرية في الكويت وأخرى أقل ثراء في الفلبين. على الرغم من وضعه لسعادته على المحك، من الصعب أن نريده أن يغادر الكويت، فقط ليكون شوكة في ظهر أقاربه.



أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 23 يناير 2015

"يوتوبيا" أحمد خالد توفيق القاتمة.

العام هو عام 2023.بطل رواية لم يذكر لنا الكاتب اسمه، يستيقظ، يدّخن، يأكل، يتقيأ ليفرّغ معدته، ليأكل مرةً أخرى، ويُمارس الجنس مع خادمته الإفريقية، ويغرق في بحور الويسكي، وعندما يغلبه الملل يلون حائط منزله مع الراقصات، «في ساعة واحدة، فعلت كل شيء، ولم يتبقى شيئًا لأفعله، لم يعد هناك شيئًا يجذب اهتمامي في هذه الحياة.». أهلًا بكم في يوتوبيا المقاطعة ذات الأسوار المحميّة بقوات المارين الأمريكية على شاطئ الساحل الشمالي الخاص بالأثرياء التي بنيت بعد انهيار الاقتصاد في أوائل القرن الواحد والعشرون.

في رواية توفيق ذات الرؤية البديلة للمستقبل التي تقشعّر لها الأبدان، إسرائيل قامت ببناء قناة سويس خاصة بها، واصبحت عائدات السياحة أصبحت لا تكفي، وأصبحت احتياطات النفط في الشرق الأوسط عديمة الفائدة بعد اختراع الولايات المتحدة الأمريكية لوقود جديد. أما هؤلاء الذين نجحوا أن يبقوا على قيد الحياة خارج جدران يوتوبيا، كانوا غارقين في الفقر والجوع والبربرية، حيث لا أحد يقرأ الكتب، ودمّر الفقر  قواعد الأخلاق المعروفة، وأصبح الجوع والمرض والعنف هو القاعة.

يشّب شباب يوتوبيا بدون أي ذرة مشاعر تجاه الآخرين، وكثرة المال أضاعت كل التقاليد وأي احترام حتى للدين. لا يتم اعطاء الأولاد في يوتوبيا أي اسماء عربية، أو أي انتماء عربي أو تاريخي أيًا كان، حتى أن بعضهم يتساءل أحيانًا لماذا كانت إسرائيل في يوم من الأيام عدوًا؟! وكما يخبرنا بطل الرواية الشاب الذكي المتغطرس: «كانت هذه أرضي، وهذا كان بلدي الذي ولدت فيه، وإن كان والداي سرقا هذه الحقوق، لا يهمني فهي أصبحت بالنسبة لي حقًا مُكتسبًا، وأنا لن أتنازل عنها لهؤلاء المتسولين العاهرات.». تتبقى متعة واحدة تحقق لمن يفعلها متعةً وإشباعًا أبديًا وهي تكمن خلف الأسوار والأسلاك الشائكة لمدينة يوتوبيا.

الراوي وصديقته دو جور  يطيحون باثنين من العاملين بالسخرة في يوتوبيا، ويأخذون ملابسهم ويستقلون حافلة العمال في مغامرةٍ خارج أسوار يوتوبيا. مهمتهم: ايجاد شخصاً مناسبًا لقتله، ثم قطع أحد أطرافه وإعادته كغنيمة دليلًا على مغامرتهم ذات المتعة الأبدية. وإن وجدوا أنفسهم في ورطة، مكالمة واحدة لأحد والديهم ليرسل لهم طائرة هليكوبتر في غضون دقائق تحوم فوقهم، على استعداد لإعمال القتل في أيٍ من هؤلاء المتوحشين المخبولين  الذين يهددونهم وإخراجهم سالمين إلى منازلهم.

إلا أن الأمور لا تجري كما خططوا، ليجدوا أنفسهم عرضة للاغتصاب والتشويه والموت، ولا ينقذهم من خطرهم هذا سوى جابر، وصديقته التي تمكنت من الاحتفاظ بقيمها واحترامها لذاتها ولحياتها الآدمية السابقة قبل الانهيار المشؤوم، ولكن كل جميل وكل مساعدتهم هذه لا تلقى سوى القسوة في نهاية المطاف.

رواية الدكتور أحمد خالد توفيق هي  رواية قاتمة وشخصياته خالية من أي من نظريات الرحمة. بل وعلى الرغم من ذلك مقنعة تمامًا. وليس من المستغرب فالمؤلف  دكتور في الطب وهو "المؤلف الأكثر مبيعًا في العالم العربي في مجاليّ الرعب والخيال" وأكثر إقناعًا في تصوير النظرة المستقبلية المتشائمة أفضل حتى من رواية "البرتقالة الآلية"، يوتوبيا هي تحفة مصغرة. أتحدى أي شخص أن لا يقرئها في جلسة واحدة.

يوتوبيا بنسختها الإنكليزية، بتعليق من علاء الأسواني.


أراكم المرة القادمة...

الأحد، 27 يوليو 2014

النوايا الحسنة، لا تصنع بالضرورة الأدب الجيد!

جلال الدين الرومي
قواعد العشق الأربعون هي رواية محبطة بشكل رهيب، لأن كل شيء فيها رائع باستثناء العمل نفسه. صاحبته، إليف شافاق، هي مصدر إلهام: بالإضافة إلى كونها  الروائية صاحبة أكثر  الكتب مبيعاً في تركيا، هي أيضاً بطلة كونية، من أنصار الـ"فيمينزم: أنصار المرأة" المتقدمين، وهي من الروائيين الطموحين الذي يضيفون الأفكار الهامة في الخيال الواقعي. روايتها "نذل إسطنبول"، والتي ظهرت في عام 2006، وناقشت فيها موضوعاً يعد من المحرمات في تركيا وهو "الإبادة الجماعية للأرمن"؛ ونتيجة لذلك وُجهّت إليها تهمة "إهانة الهوية التركية"، وهي جريمة يعاقب عليها بالسجن. أظهرت جرأتها في الرواية السريالية "النظرة"، عام 2000، التي بحثت في الآلام التي ولدّتها العادات القديمة، بتفاصيلها القاسية، وتمكنت على ما يبدو من المستحيل حيث حوّلت النظرية النسوية الأكاديمية إلى رواية خيالية. الآن، تقدم لنا رواية حول ربة منزل يهوديّة أمريكيّة التي تجد الحب مع صوفي بوهمي. حقيقة أن الرواية أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً في تركيا يعد بادرة أمل في أن التعاطف التي أنشئه الخيال يمكن أن يغلب الأحقاد القومية والدينية.

مثل العديد من روايات شافاق، قواعد العشق الأربعون عبارة  عن قصص متشابكة الفصول تدور في قرون من الزمان. أسلوب السرد الذي ترويه شخصية الرواية إيلا روبنشتاين، الأم من مقاطعة ماساتشوستس، ثلاثة والأربعين عاماً، تزوجت لسوء الحظ  -في واحدة من كليشيهات الكتاب العديدة- إلى طبيب الأسنان. لتعيش حياة الطبقة المتوسطة المملة، تجد وظيفة بدوام جزئي في قراءة المخطوطات لحساب وكالة أدبية، حيث يتم إعطائها رواية بعنوان "الكفر الجميل"، عن جلال الدين الرومي، الشاعر الصوفي.  تفتنها الرواية الرومانسية "الرسائليّة: مكتوبة على هيئة رسائل" لكاتبها الرحّال، الذي اعتنق الصوفية اسمه أ.ز.زهرة. وتتغير حياتها إلى الأبد بطرق يمكن التنبؤ بها بسهولة.
قصة إيلا تتناوب في فصول من رواية زهرة، والتي هي بدورها قصة الحب الروحي بين جلال الدين الرومي وشمس تبريز، الدراويش المتجول الذين يقال أنّه هو الذي أدخل الرومي إلى التصوف. شافاق درست الصوفية  لفترة طويلة، ويبدو أن روايتها الجديدة، في جزء منها محاولة لتخيل الماضي الإسلامي مع القيم المعاصرة: مشروع يستحق العناء. الصوفية تلك الطريقة التي تهتم  بصلة الفرد  بالله بعيداً عن الالتزام الصارم لقوانين الشريعة، التصوف هو العقيدة السمحة.

 «الصوفين الهندين الأوائل أعلنوا أن المسلمين والمسيحيين واليهود والزرادشتيين والهندوس كلها طرق تسعى نحو نفس الهدف لكن المظاهر المختلفة التي تُبيقي بينهما هي ما يسبب الفهم الخاطئ الموجود!» 
ويندي دونيجر لاحظت ذلك في دراستها للتاريخ الحديث للهندوسية.

شمس تبريز، الذي يرى أن الانقسامات الطائفية، والقواعد الدينية المتشددة، غير ملائمة لجلال الله، وأن إيمانه وإخلاصه لا يشتركان في شيء مع الإسلامية المعاصرة. حتى انه يرسل جلال الدين الرومي إلى الحانة، لإثبات أن الالتزام الصارم لأحكام الشريعة هو نوع آخر من عبادة الأصنام. «القواعد والمحظورات الدينية مهمة»، جلال الدين الرومي الذي تعلم الدرس يقول لشمس «لكن لا ينبغي أن تتحول إلى المحرمات إلى أشياء لا تقبل النقاش.»

هذا هي نسخة  الإسلام التي قد تحبها يهوديّة علمانيّة مثل إيلا روبنشتاين. لكن من المشاكل العديدة للرواية أن شمس يبدو شخصية حديثة، وهذا مثير للريبة، وكأنه معلم القرآن  على طراز معلمي اليوغا. ربما تحاول شافاق تقديم التصوف الصحيح، أنا لست في وضع يمكنني فيه  الحكم، لكن تصويريها للشرق الأوسط في العصور الوسطى التي عفا عليها الزمن، وكأن الشيء الوحيد الذي يفصلها عن مجتمعنا المعاصر هو عدم وجود السيارات والهواتف وبإغفال الأحاسيس العميقة للقيم الدينية. فالكتاب الذي ينقلب على روح شخصياته يحتاج على الأقل بعض التقدير وليس كل هذا الإجلال.

تبدأ المشاكل مع إيلا، التي لا تعود أبداً للحياة مرة أخرى. فالكتاب الأمريكيين يتخيلون أنفسهم باستمرار في ثقافات أخرى، ولكنهم لا يتخيلون الأجانب أبداُ في ثقافتهم. إذاً فشخصية إيلا هي ببساطة شخصية غير قابل للتصديق؛ ولكنها  مثيرة للاهتمام. هي في الغالب شخصية عادية، امرأة أمريكية ميسورة الحال ويتملكها الملل، تحاول تحرير وقهر مللها بالصدام مع التصوف الشرقي.

هذا الكتاب هو أكبر دليل على أن السياسة الأخلاقية والنوايا الحسنة لا تصنع بالضرورة الأدب الجيد.



أراكم المرة القادمة...

السبت، 26 يوليو 2014

دان براون ما زال لا يستطيع الكتابة، لكنّه يستحق بعض الاحترام!

دان براون

نجاح دان براون يثير التساؤلات، فأعماله تم نقدها وتمت السخرية منها، وقلدها أنصار نظرية المؤامرة الذين استفادوا من أعماله، والآن في منزله في نيو هابتشر تحت الحراسة، يستيقظ الرابعة صباحاً ليبدأ كتابة وحياكة نظريات المؤامرة، وبظهور كتابه الأخير، "الجحيم" الذي طرح أسئلة طبيعية: ما الذي يميز كتب دان براون؟ وما الذي يسعى إليه؟ هل الأمر كله مؤامرة؟

إلى جانب المحاكاة النثرية الساخرة، روبرت لانغدون،  وولع بطل الرواية الذي لا ينتهي بالياقات المدوّرة، براون يفعل شيئين وحدين فقط في رواياته: حل الألغاز الغامضة وطمس الحقيقة والخيال.

الكتاب والقراء في جميع أنواع الروايات، يحبون الألغاز والأسرار، لذا فدان براون ليس بفريدٍ من نوعه في شيء. أغاثا كريستي كتبت روايات يلعب فيها القارئ دور المنَّقب ويلتقي بالمشتبه بهم ويبحث عن الأنماط و الأدلة والزلات وهناك دوماً نهاية قاطعة تختبر استنتاجات القارئ.

لكن ما يقدمّه دان بروان هو علامات الغموض، يترك سلسلة من المتفرقات التي تبدو للقار ئ مثل الأدلة مثل بعض أوراق البردي أو إحدى الأحاجي بينما لا تأتي الإجابة للقارئ إلا عبر المؤامرة والغموض، وغالباً ما تكون خيالية، بعض الأشياء من النوع الذي يحتاجه بطل الرواية لمعرفة الأشياء التافهة الغريبة مثل ما قد يعنيه غياب كأس من لوحة، أو أن عليّه أن يقلب ورقة البردي رأساً على عقب. ربما يبدو هذا وكأنه نوع جديد من الروايات البوليسية، لكن القصة تنتهي بمطاردة مثيرة لأحد مثيري الشغب. ليست على قدر التوقعات. ولا تحتاج عملاً شاقاً، لكنها مسليّة.

هل يمكن أن يكون هذا الأسلوب هو الذي حقق له هذا النجاح؟ الطريقة التي يضع بها الحقائق والتكهنات العجيبة والخيال في الخلاّط ليصنع خليطاً من علماء فيزياء يحصلون على المادة المضادة، القتلة يسرقونها، البابا يريد أن يجعل كل شيء من فعل الله. ليوناردو دافنشي رئيس طائفة تعمل على حفظ تاريخ المسيح الحقيقي. لذا فمن غير العجيب أن يُطلق على دان براون لقب "مُوّلد المؤامرات".

حتى الآن براون يثير الجدل، لأنه يكتب في الموضوعات المحبوبة... الدين، الفن، التاريخ والعلم  ويجمعهم معاً لتزيين كتبه، ويقول «أنا أمزج الحقيقة والخيال بأسلوب حديث وفعّال لأحكي قصة»، وربما ليكون دقيقاً حرى به أن يقول بأنه يمزج المؤامرة بالخيال وبعدها يضع عليها أسماءً حقيقية.

الحقيقة، يبدأ دان بروان في رواياته التي سبقت رواية "الجحيم" بقوله أن «جميع الأعمال الفنيّة، والأعمال الأدبية، والموضوعات العلمية الواردة في هذه الرواية حقيقية.» هذه الجملة الماكرة والغير خاطئة التي يستخدمها  في التلميح لأشياء حقيقة ولكن المعنى الذي يستخدمه ويقصده في الروايات والذي يزعج الناس ويثير الخلافات  يبقى من اختراعه الشخصي.

في البداية، حاول براون تخفيف الغضب من خلال الإشارة  إلى أن كتبه من وحي الخيال. أما الآن يقول أشياء مثل «الجدل هو شيء جيد! فهو يدفع الناس للتفكير  والنقاش»، و  «وشراء الكتب» هذا ما نستطيع الاستدلال عليّه من هذا التصريح. ويصر قائلاً: «أن بعض الناس يفهمون "كتاباتي" وهؤلاء مُعجبين بكتاباتي، وبعض الناس لا يفهمون كتاباتي وهؤلاء هم نُقّادي.»

لديه ذلك النصف الصحيح الجيد: فالكثير من الناس يفهم كتاباته ونعرف أن كتبه ليست سجلاً دقيقاً للعالم. ومع ذلك، لو فكرنا  أنه بسبب كل هذه الأسماء والتفاصيل واسقاطات "أن كل شيء مرتبط بالآخر" التي تحفل بها كتب براون تجعل القراء يشعرون أن كتب براون تحوي حقائق أكثر  مما هي عليه في الواقع. أنه يلهم الناس لدراسة التفاصيل التي لم يلاحظها أحد من قبل – نصف جيد- ولكنّه أيضاً يجعل الناس ويقنعهم أن بعض الأسرار موجودة في نمط المفروشات الخاصة بهم! – نصف غير جيد-.

براون  لا يمزج  الحقائق في كتبه مثل الروائيين الآخرين  الذين يستخدمون العلم أو التاريخ كأساس للإبداع مثله. ذلك هو الفرق بين استخدام الجناس الناقص أو تورية: فالجناس الناقص هو مجرد إعادة ترتيب للحروف، بينما التورية لها معاني متعددة. براون يُعيد ترتيب المظاهر لخلق عوالمه من الصدف الحمقاء، ولكن يترتب على ذلك حدوث التباس بين 'الواقع' والمعنى المفهوم الذي يزعج بعض الأطراف.

براون يمكنّه أن يفعل ما هو أفضل؛ فقط عليه أن يتوقف عن تحويل العالم الحقيقي إلى  جزء من المؤامرة، وترك لكل أمر قيمته. كتَّاب الأنواع الأخرى من الخيال فعلوا ما أراده براون نفسه بالضبط: كتابة روايات مسلية وأيضاً "تلهم الفضول الفكري".

كتب مايكل كرايتون مثال جيد، على الرغم من عيوبها. رواية الحديقة الجوراسية وما فيها من علم المستحاثات، وعلم الوراثة والرياضيات في متناول القارئ العادي. على الرغم من احتواءها على قفزات علمية خيالية، فهي تحتوى على ما يكفي من المنطق؛ وهو لا يلجأ إلى ربط  تفاصيل لا علاقة لها ببعض لصنع حبكة.

براون يمكن أن يحذو حذو كرايتون -أو أجاثا كريستي، أو حتى جون غريشام- ويضع بعض الأدب في أعماله. الخيال الجيد النوع يمكن أن يظهر للقارئ أن الأفكار العميقة، ليست بعيدة كما  تبدو عليّه في بعض الأحيان، وهي التي تستحق الإشادة والحذو.

وقال براون، أنه يريد على الأقل أن يعرض كوميديا دانتي ​​الإلهية للقراء، على الرغم من أنني أعلم أن سبب طرح دان براون لها هو ببساطة لأن رالف والدو إمرسون قال ذات مرة أن دانتي كتب سيرته الذاتية بـ"الشفرات الهائلة".

لا أحد يمكن أن يوقف براون من غزو قائمة أكثر الكتب مبيعاً كل بضع سنوات، ولكن إذا كان يمكن وضع دانتي وغيرهم من الكتاب العظماء بجانب الأسرة، لو أن الغاية تبرر الوسيلة بالنسبة إليه. إذاً دان براون هو مجرد رجل يسعى لتحقيق الربح من بعض الكتب السيئة. إذا ما في وسعه وضع حد لتلميحاته المشوشة، يمكنه أن ينجز شيئاً مجدياً يُظهر لجمهوره الكبير أن الأدب الحقيقي مثير أيضاً...

دان براون يمكن أن يكون من الأخيار.. هذه هي الحبكة.




أراكم المرة القادمة...